المنجي بوسنينة
93
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
تسقط الواحدة تلو الأخرى بيد الإسبان . لذلك نجد أن أسرة البلوي لم تستقر في مكان واحد لمدة طويلة . وقد أشار أبو جعفر أحمد البلوي في ثبته ، إلى مجالس والده للإقراء والتدريس ، شملت كلا من وادي آش وحضرة غرناطة والمرية ( Almeria ) ، الأمر الذي يشير إلى استقراره أيضا في مدينة المرية لا بأس من الزمن . وربما كانت هذه هي المحطة الأخيرة التي استقر فيها قبل التوجه إلى مدينة المنكّب ( Almunecar ) برسم الجواز إلى عدوة المغرب . ولكننا لا نعرف شيئا عن تلك الإقامة ، وعلى أي حال ، واستنادا إلى ثبت البلوي ، فإن هناك نحوا من 36 أو 37 سنة ، بين مغادرة أبي الحسن البلوي وادي آش إلى غرناطة ( صفر 857 ه / فبراير - مارس 1453 م ) ، وبين هجرته الأخيرة إلى عدوة المغرب في حدود سنة 894 ه / 1489 م . ونحن نعلم أنه بقي نحو اثنتي عشرة سنة في العاصمة ، لذلك من المحتمل ، أنه انتقل في الفترة المتبقية ، بين مسقط رأسه في وادي آش ، وبين المرية ، وغرناطة . ويعود هذا التنقل المستمر وعدم الاستقرار إلى القلق النفسي على مصير البلاد ، والخوف من سيطرة الاسبان على غرناطة ، الأمر الذي أدى أبا الحسن البلوي إلى اتخاذ قرار الهجرة من الأندلس . ويؤيد كلام شهاب الدين أحمد بن محمد المقري هذا التوجه بقوله : « وكان جماعة من علماء الأندلس خرجوا إلى تلمسان . . . ومنهم بنو داود المذكورون في فهرسة الشيخ ابن غازي ، وهؤلاء خرجوا من الأندلس قبل أخذ غرناطة ، ولكن لما رأوا استطالة العدو عليها ، وأنه آخذها لا محالة قوضوا رحالهم عنها ، فنزلوا بتلمسان المحروسة ، وأخذت الحضرة الغرناطية بعد ارتحالهم بقريب . . . » [ أزهار الرياض ، 1 / 71 ] . وهناك من يرى أن مغادرة أبي الحسن وأسرته الأندلس لم تكن نهائية للفرار بدينهم ، لأنهم كانوا علماء متشبثين بأهداب الدين ، وأن رحلتهم صوب المشرق كانت لأداء فريضة الحج أولا ، وإلى الاتصال بالعلماء ثانيا ، قصد التواصل في الأخذ والعطاء ، والسعي وراء السند العالي [ عبد الله العمراني ، مقدمة ثبت البلوي ، 42 - 43 ] . وقد يكون هذا صحيحا ويؤيده طبيعة تنقل هذه الأسرة في الأندلس ذاتها قبل الهجرة النهائية . ولكن تسارع الأحداث فيما بعد ذلك ، سقوط غرناطة بيد الملكين الكاثوليكيين فرديناند وايزابيلا في 2 ربيع الأول 897 ه / 2 يناير ( كانون الثاني ) 1492 م ، أي بعد نحو ثلاث سنوات من مغادرة أبي الحسن وأسرته ، جعلتهم يضربون صفحا عن العودة إلى الأندلس ، والاتجاه إلى آفاق أخرى في المشرق . فلقد استقروا في البداية في مدينة تلمسان ، التي كانت عاصمة بني زيان ، ومركز العلم والثقافة ، لا سيما أن بعض سلاطينها اهتموا بهذا الأمر ؛ من ذلك مثلا ، السلطان أبو الحسن المريني ، الذي شيّد القصور والمدارس والمساجد والزوايا والرباطات ، مما بهر العقول ، وخلّد له الذكر الحسن . وربما كان هذا هو السبب في اختيار أبي الحسن البلوي لهذه المدينة مقصدا لهجرته . وقد اتصل البلوي فور وصوله إلى تلمسان بعلمائها ، لا سيما محمد بن مرزوق الكفيف المتوفى سنة 901 ه / 1405 م ، الذي درس عليه ابن أبي الحسن ، أحمد البلوي ، بعض